السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )
61
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين
العالم الذي لا يمتدّ بصره إلى أرنبة أنفه ؟ أم العالم الحادّ البصر ، النافذ البصيرة إلى ما وراء أفق حياته ، ومحيطه الذي يحيا فيه ، فيدرك بثاقب بصيرته ماذا يحيق بالدين من أخطار ، وماذا يكتنف بامّته من أشواك ، وما يعرقل مسيرها إلى المجد والخلود من عقبات ، فيشمّر عن ساعد الجدّ ليدرأ الأخطار ، ويقتلع الأشواك ، ويذلّل العقبات ؟ العالم الذي لا يحرق نفسه بخورا ، فلا يعطّر جوّ بيته الذي يسكنه ؟ أم العالم الذي يحرق نفسه بخورا ، فيعطّر أفق الحياة ؟ العالم الذي هو ذبالة لا يضيء جوّ نفسه ؟ أم العالم الذي هو نور اللّه في الأرض ، يضيء الحياة بأشعّته ، فيجلوها من وضر الآثام ، وينير روح الإنسانيّة فيقيه الخطايا والأرجاس ويجعله يتسامى طهرا ، فيسامت أجنحة الملائكة ؟ وكيف لا يكون نور اللّه في الأرض ، وقد ورد في الحديث : « علماء امّتي كأنبياء بني إسرائيل » « 1 » ؟ العالم الذي هو ربّان زورق صغير ، يسير في نهر متقارب الضفتين ، ساكن الأمواج ؟ أم العالم الذي هو ربّان سفينة تمخر في عباب بحر متلاطم الأمواج ، يدير دفتها بحكمة وأناة وحنكة ؛ ليجعلها تتغلّب على الأمواج ، يخضع الأمواج لإرادته ؟ العالم المنكمش على نفسه ، الضنين بها وبقلمه وبجاهه إلّا فيما يخصّ ذاته ، أم العالم الذي جاهد وناضل نضالا مريرا في سوح الجهاد المقدّس ، وسكب ماء حياته ، وأراق دم قلبه لنصرة الحقّ ، وتشتّت سحب التضليل عن وجه الحقيقة ، ولردّ كيد الماكرين ، ولدحر بغي الضالّين ، سواء كان عن الدين ، أم عن الامّة . كيما يجعل الحقّ وضاء ، ونوره يألق في سماء الحياة ؟ فهذا هو الذي ينهدّ بموته ركن من أركان الدين ؛ لأنّه هو نفسه فريق الهدى ، وأشياع الحقّ ، وأعضاد الدين ، فأين من كان بنفسه من لا يرى الدين إلّا الفتوى في الحلال والحرام ؟
--> ( 1 ) - . بحار الأنوار 22 : 2 ، ح 67 ؛ و 307 : 24 .